غِلْظَةُ التَّأويلِ بالمُدْمَن – مأمون التِّلب

غِلْظَةُ التَّأويلِ بالمُدْمَن – مأمون التِّلب

حركة:

الفتاةُ وهي تنظرُ من نافذةٍ

رَأَت جِلْدَهَا وقد أصبَحَ جُزءاً من إطار النَّافذة!

حليبَهَا مدهونَاً على الزُّجاج

مشوِّهاً الليل أمامها،

وهي تنظرُ إلى الباب،

تَرَكَت شَعْرَها يمتدُّ ويتخلَّلُ مِقْبَضَهُ غامراً إيَّاهُ بالزَّيت ورائحة العُنُق.

عَضَّت شفتيها

سَالَ خَشَبٌ ضَعِيْفٌ

بَكَت: كُهُولةُ اليقين تفشَّت في الهواء؛

مزَّقَهَا طائرٌ أعْمَى يَتَخبَّط.

 

خطواتها لا تلمسُ الأرضَ ولا السَّماء

لن تُكلَّلَ بنَشَافِ بَشَرَاتِ أجدادِهَا،

حكاياتٌ مُشيَّدةٌ بالحرابِ تتقدَّمُ موكبَها

قرودٌ عشَّاق ينصبون فخاخاً رديئةً لفئرانِ غُرْفَتِها،

أصواتٌ مجهولةٌ تصبحُ شفَّافةً،

لتصدِّق أجساد المكان وتخرجَ منهَا ملوَّثةً،

أمثالٌ تُضربُ لأجل هذا الحاضر المرتجف،

والأشجار ـ لأجل ذلك أيضاً ـ منحنيةً على جذورها تستخرجُ الرُّموز:

كم من خَلْقٍ حارَ واستعصى على التنفُّس وتوحَّش؟.

 

إدمان:

عندما يَنظُرُ الإنسانُ في المرآة

يَرَى الآخرين.

كلٌّ بملامِحِ حُبِّه يَتَسَلَّحُ

كلٌّ بملامحِ خيبتِهِ، أمامَ لغةِ الجسدِ، يتأرجح.

 

تَقفِزُ قطَّةٌ سوداءُ من النَّافذة

يَدْخُلُ تمساحٌ جائعٌ غَيْرَهَا

تَشْتَاقُ نُعُومَةَ الفَرْوِ

تَتَحَسَّسُ خُشُونَةَ الأنياب.

 

لا بأس

كُلٌّ بمرآتِهِ يُنافحُ ذاتَهُ بما كَسَبَت وما اكْتَسَبَت،

وحدَهُ خيالُ جسدِكَ في مقبرةٍ يَشهقُ دهشةً من تصرُّف قوَّتك أمامك،

كيف تنسَابُ مِن كُلِّ هذهِ الأيادِي

دُوْنَ ضَغِيْنَةٍ ولا مُوَارَبَة؟.

 

لا شَيء

رَمْزٌ أبجديٌّ ضَائِع.

 

حركة:

(ذهبْتِ وتغيَّرَ الكون، تألمتُ، وذهبتُ مباشرةً إلى سفينةٍ تقطع النَّار وكنتُ ريحَها، واحتميت بشوائب الإناء الذي تركتِهِ يتقلَّب ببرودته على يدي، كانت يدي طيناً متشقِّقاً ينبت فيه الصَّبار القليل، وكانت أحلامي تَصْغُرُ حتى تملأ ثقوبَه الخفيةَ وتنْزَلِقُ منها بمَرَحِ طفلٍ أعمَى يتحسَّس اللَّعِب. الخطوط اللئيمةُ التي رَسَمْتِنَا بها ليلة عيدِ الكِبَار، تمدَّدَت، وعرفتُ أنني أحكي قصةَ أشخاصٍ آخرين سوانا، كنتُ حياتَهم المجهولةَ وهي تتماسك بتلك الخطوط. قُلْتِ حينَها أنكِ رسَّامة، وقلتُ لكِ أنا لوحاتُكِ التَّالفةُ الممزَّقةُ في جدول النفايات؛ الجدول الذي يصبُّ بلعناته ويصنع أخاديدَ غائرةً على فمِ النَّهر الكبير؛ النَّهر الذي يُلْقِي فيه كلُّ شيءٍ ببقاياه: ما أكَلَهُ المرضُ من لحمه، ما حَذَفَتْهُ الحروبُ من ذاكرةِ أطرافه، ما شوَّهَ بطنَهُ بالقرف، ما فَقَدَتْهُ العينُ من دموعٍ لا رجعةَ لها، ما يتصاعد من دُخَانِ خروفٍ ذُبِح، ما تَتْرُكُه النَّبْتَةُ لفَصْلٍ يجفِّفها، ما عَلَّمَتْهُ الغنيمةُ لمحارِبِي (أُحُد)، ما سَرَقَتْهُ الملائكةُ من أقدارِ البَشَر، ما تساقط من صَخْرٍ نُحِتَ، ما فَقَدَهُ الخدُّ لحظةَ الخجل، ما تسارع من ضرباتِ القلبِ وأنهى حياتَها، ما سقط من عَرَقِ الخوف، ما شذَّ من أحلامٍ تقاسَمَها أهلُ الكهفِ مع كلبهم. ارسمينا مرةً أخرى، سأُوقظ ليلتَنا التي غنمناها بعد 30 سنةً من يوم الرسم، وسأتركها تعضُّ يدَك بقوةٍ كما فعلتِ أنت ذلك اليوم، سأخفِّفُ من عناءِ عينيكِ بهذا الفعل، سأتَّخِذُ لي هيئةَ خَطٍّ منها وأترك مكاني لوغدٍ آخرَ يشبهني، سأختاره دون أن تعرفي، ودون أن يعرف، وأزجُّ بهِ أمام جمالِكِ الكبيرِ، ليقضي حياتَه وأصبحُ أنا مُدَوِّنَ السيئات؛ مُغْفِلَ الحَسَنات، وأُشَرْبِكُ قبلتكما بظلامٍ خفيفٍ يليق بالشَّرْنَقةِ التي حبلت بكما ذات سنةٍ ضوئيَّةٍ عاشت في عينيك للحظةٍ ووَلِدَتْنِي ميِّتاً).

 

إدمان:

أكثرَ وَعْيَاً من تاركٍ حياتَه لطوفانٍ نائمٍ في سُرَّته،

سأقوم من موتي،

وأُسَلِّي أبناءَ الحياةِ بلحْيَةٍ محاربةٍ بالطُّول،

سيقفزون إلى حِجْرِي

يتناولون قلبي ويتناوبون على إبكائه

يضحكون بدموعه المنويَّة،

يقذفون به من يدٍ إلى يد.

ثم أقذفُ بهم إلى وجه آبائهم وأمهاتهم وأقول:

(تبَّت يدا أبي سهرٍ وقيظ، والعصر، إنَّ أغوارَكم لفي مرآةٍ تتهدَّج).

 

سأغامر بوضعي كَمُوَاسٍ لاحتجاجاتهم الصغيرة ـ الأبناء ـ على أحضاني الضخمة،

سأُرَبِّيهم بما أُوْتِيتُ من غَمْرٍ سِرِّيٍّ في الموسيقى،

سأتواثَبُ من سريرٍ إلى سريرٍ

أخبرُهُم بأحلامهم قبل أن يناموا،

سأستخرجُ كوابيسَهُم بسكاكينَ مائيَّةٍ

وأشْرَبُها بعدَ خَلْطِهَا بدموع ربِّهم،

وأنتظر حتَّى الصَّباح.

سأقوم بهذا يومياً؛ أُدْمِنُهُم،

أدمنُ بقاءَ رغبةِ إنجابٍ في عيون البشر الطيبين.

 

حركة:

قيادةٌ لا غير، تَرْكَبُ في الخلفِ نظَّاراتٌ زجاجيةٌ تتواثبُ من مطبَّاتِ الأرضِ الكثيرة. في المرآةِ آلافُ الذئابِ تركضُ بهدوءٍ خلفَ العربةِ المجنَّحة، البراكين من تحتها تكحُّ بقوَّةٍ آثارَها الدُّخانية، لهيبٌ أموميٌّ يقتنصُ تحرُّكاتِ طيورٍ تحلِّقُ في السَّماءِ الممتدةِ من فوقه، لا سحب، لا شمس، لا ليل؛ بل حالةُ عناقٍ، يمكننا أن نسمِّي الوقتَ حالةَ عناقٍ أليس كذلك؟، ألا يحقُّ لسقف ال
عربة الممزَّق أن يَضْحَكَ لجهلِهِ بتفاصيلِ العالَمِ المسجونِ داخلَه صفةً منْزُوعةً من طبيعتها لتُسْتَغلَّ لأغراضٍ (خَطِرة)؟. إن السَّقف لا يحمي مَن يجلسون تحتَه والحركةُ تصرخ، بل هو يحمي عينَ العالَم من مكامن وجه السَّائق، إذ كان الأمر بالنسبة له: قيادةٌ لا غير؛ قيادةٌ تضع التهوُّرَ والحكمةَ على حِجْرِها وتُرْضِعُهُما من ثديين حجريَّين لهما مادةٌ شَجريَّةٌ تسيلُ وتُوْدِي بحياتهما لأجل أُخُوَّةٍ غامضةٍ بينهما. (وَصَلْنَا المكان، انزلوا، لا تنسوا الستائر، والنِّيرانَ الصغيرةَ لا تتركوها وحدها؛ ستبكي، احفروا المقاعدَ الخلفيةَ للعربة؛ ستجدون مخدراتٍ من الصنف الأخيرِ كَحَتْنَاهَا من أجنحةِ أكثرِ الملائكةِ إيماناً بلاحيلته، انبشوا الزُّجاجَ الخلفيَّ والجانبيَّ؛ ستجدون النَّظراتِ التي وَعَدْتُكُم بها قديمةً، معتَّقةً، تصلُح للشراب. وَصَلْنا الزمان، انزلوا). سَيْرٌ لا غير، حول أسوارٍ محجَّبةٍ بذهبٍ مطليٍّ عليها؛ مسنَّنَةِ الأطرافِ تنتظر الغرسَ والتبرعم. الأشجارُ الطفيليَّةُ المتسلِّقَةُ تلبسُ الفضَّةَ وتُقَبِّل بعضها بعناقٍ مجفَّفٍ يَسْتَقِي قوَّتَهُ من نظراتِ الاحتقارِ الموجَّهةِ إليها، لا أحدَ هنا في المكانِ؛ خلف الأسوار، فقط (المكان) جالسٌ يتبادل التحديقَ مع نفسِهِ ويثرثرُ مع الهواءِ المشكِّل له. إذاً وَصَلَ الحشدُ بكآبته كلِّها ومحدوديَّةِ حُبِّهِ وسَجَدَ لـ(المكان)، نُسِفت الوِحدَة، عُزْلَةُ البكاءِ تفتَّتَت وحَالَ لونُها ليصبحَ شمسَ هذا اليومِ الغريب: سَيْرٌ مُبْتَلٌّ بعَرَقِ هذه الشَّمْس.

 

إدمان:

طُعْمٌ؛

صُدْفةٌ عملاقةٌ تحملُ السَّمكةَ ذاتَ الأجنحةِ نحوَ البرّ

بلهاثٍ أقرب إلى قُبَلٍ تائهةٍ للموت

كأنَّ جيشاً من حصونٍ يتكالبُ على فمها الصغير.

البحرُ كارثةُ وَجْهِهِ المتلوِّنِ حسب أعماقه.

هذه الطيور التي تمرُّ بمناقيرِها عبرَ البحر باتِّجاهِ الحقول مسلوبةً،

ومُجَازَةً بأختامِ الرِّيحِ الحيَّة،

كيف تحمَّلَت وِزْرَ آلافِ الفزَّاعات دون انتباهٍ طيلةَ القرون؟

لذَّةُ المخاطرة؟،

عزاء التَّدوينِ على الأجنحة؟

رقَّةُ المراوغة؟

تسريبُ الشَّكِّ عبرَ التلفُّتِ الأخضر؟

لاشيء؛

إنها حرية التَّوَهان،

وصلافةُ الخطفِ الأبديِّ لاستمرار السُّلالة.

عشقُ الأشكالِ المتحوِّرة؛ خيالُها المبتسمُ الخالد،

رهبةُ أعماقِ الحركة.

 

الحقلُ يبكي عليها.

وهذا الحقلُ، في صباحٍ كهذا، مصحوبٌ بقرقعةِ المصائد مستَلٌّ من تهافتِ أقمشةِ الفزَّاعات بسهولةٍ حتميَّةٍ

هذا الحقل مخطَّطٌ،

مجترٌّ بنظامِ المواسم والشَّاحناتُ،

بمللٍ قديمٍ صدئ،

تقف عند أطرافه مستعدَّةً لإثارة غبارها المستعار من أرضٍ محقونةٍ بسمادٍ كيميائيٍّ،

وكيف،

طوال الحياةِ،

تدمنُ مسايرةَ الفصول لتبزغ أسرارُها على اليدِ طيبةً

ليستريحَ الجرادُ من التَّخمين؟،

تهديدُ الأمطارِ وصلواتها؟،

لذَّةُ عطاءٍ غير مستحقّ؟،

لتظلَّ مأوىً لغرامياتٍ سريَّة

هل كانت الحقول أعضاءَ الأرض الجنسية،

ولا ترتوي من مداعبة النموّ والقطف؟.

لاشيء؛

إنها أعضاءُ الموتى تُطلُّ من الأرضِ

حقولاً مصنوعةً بمشيئةِ البشر

خوفَ تخويفِهم؛ تخرجُ بأوراقٍ،

وتَعصِفُ بحياتها مع تقلُّبِ الفصول.

 

هذا الحقلُ تُسعِدُهُ الفئران،

جريئةً تلتفُّ بجِيْرةِ الجذور،

بحِيْرةِ التُّربة من شكلِ عيونها الدمويِّ الرهيب!.

 

حركة:

في الشَّارع المظلم

الكلبُ يلتفُّ حولَ جسده،

محاولاً أن يقضمَ ذيلَهُ؛ الضَّوْء كَشَفَهُ بمُعَانَاةٍ،

الضوءُ القادم من بابٍ فُتِحَ بقوَّةٍ،

وامرأةٌ، تتدحرج جثةُ زوجها أمام بيتها؛ أمام الكلب،

تصرخ.

يخرجُ الليل من فمها مبللاً،

يقتنص ليلَ العالم، بيدين متَّسختين بالنُّباح؛

بملاءات السرير المتعرِّقة.

بيوتُ الشَّارع تمَّحي،

تبقى ظلالها، وأشباح سكَّانها تتعانق مَنْ يَنظرُ للسماءِ سيرى النَّوافذ معلَّقةً تنتظرُ المُنتَظِر، سيرى الأبوابَ ترتجفُ بأثقابِ مفاتيحها، وأقفالها؛ وشتاءٌ مكيَّفٌ على بلوغ النَّشوةِ يصدر عن حديدها الصدئ. من سوف يخبر التَّاريخ بالحدث سوى عظامه المتبخِّرة بذاكرة التُّراب المسنّ؟. أنظرُ إلى أسنَانِ الحَيّ، فلا أرى أَثَراً للحمي، أنظرُ إلى السُّموم الخارجة من أجسادٍ مريضةٍ فلا أرى وجهي يتموَّج على سطحها الشَِّائك. كأن الحياة سيرةُ رضوضٍ تُصدِرُها الأجسام أصواتاً وسيوفَ معنىً. انتظرتُ أن ينتهي كل هذا الكلب ينقلب إلى الجِّهة الأخرى ليعضَّ ذيله فيعضّ أنفَ كلبٍ آخر!. المرأة تصمت، كل ما في الوجود يتسمَّر داخل عينها، إنها لحظةُ وداعٍ تليق بفستانها الممزَّق وشَيْبُهُ سيظلُّ معلَّقاً بأنفاسها الصاعدةِ والهابطة. هذا العمر _وما تليه من تسمياتٍ للزمان_ لا يصلح لأن يقضي إدمانه داخلَ خوفٍ هوَ مسيِّرُ كلَّ شيء أيامها القادمات تساقَطَت أمامها مطراً أسودَ مَحَى الكلبَ من الوجود، محى ثيابَ زوجها المزيَّتة بأحداقها، وأنا كنتُ أحفظُ الإيقاعَ لبيوت الشَّارع، وأشباح سكَّانها ليرقصوا عناقَهُم بهدوء. إدمان: الشمعةُ وحيدةٌ لأنها بلا حُرَّاس. الرِّيح تغتالُها إدمانُها في صمتِ الهواء من حولها وما يستجدُّ من أجسادٍ تتمتَّعُ ببخلِ ضو
ئها. هذه الجدرانُ تمتلكها بقوَّةِ التَّفريط الكامنة في الجَّماد والأجسادُ الملتبسةُ في سريرٍ ضيِّقٍ تثير ظلالَها الكامنةَ في نارها هي لا تعرف مقدار الأمنِ والسَّلام الذي تَبعَثُهُ في (حلول الظلام)؛ هي قوَّةُ الظلام مجسَّدةً في ثوبٍ يذوب بالتدريج، كأن عينَ العالم غافلةٌ عنه، لأن صوتَه متكوِّمٌ في انسحاب الحياة للنوم. ياه.. عذريَّةُ الليل شمعةٌ لا يمسّها سوى المطهّرون. (ألـ) إدمان (ألـ) تَخْمِينٌ مُبَاشِرٌ بين ما يَنَالُهُ العملاق ذو العين الواحدةِ وبين مملكتِهِ التي تَغلي الآن، رافعةً رِقاع الدَّعوات العظيمة لأصنامٍ تُنبِتُ ضَغِيْنةً يَنْظُرُ بها النَّهر للشَّمس. مدينته يسيطرُ على شوارعها كلابٌ يتغامزون بأنوفهم، يشمّون رغبةَ كلِّ واحدٍ في الآخر، في الفَرْو المشرَّد. (ألـ): تخمينُ النَّجاةِ من العاهة، بترساناتها المكوَّمةِ على أبوَابِ الجسَدِ تتسوَّلُ الحَوَاس إدمانُ الضَّربِ فجوةُ الإيمائةِ لحديقةٍ تَحْتَرقُ بالجفاف. تَوسَّعَ العالمُ في حدقةِ حجرٍ مُلقىً على كاهل شذوذٍ يعبر، يا لهُ من لوحةٍ تَنْزِفُ أنفاسَ ألوانها وتتحجَّب بالمستقبل؛ يا له _الحجر_ رميةُ الحظِّ على خطوط يدٍ تُعذِّبُ الماضي باسْتِحْضَارِهِ مستغرَقَاً. شلَّةُ الأحجَار تَرْكُضُ _مجرَّةً من الكَوَاكِبِ المُتَنَافِرَةِ بمدَارَاتها_ حولَ الأرض، حولَ عينِ الإنسان؛ هذه (ألـ)الشَّجرة غُصْنٌ طائرٌ على (ألـ)غُصن، بيضُ (ألـ)طَّائِر، مواليدُ برج (ألـ)الطَّائرِ يتعلمونَ (ألـ)تحليق، (ألـ)سَمَاءٌ تستغلُّ مهارةَ حَرَكَتِهِم داخلَ هوائِهَا (ألـ)مرتعش برقَّةِ تخبطاتِهِم (ألـ)أوليَّة، (ألـ)فزَّاعة تنظرُ إليهِمِ من حقولِ جُوعِهَا للتخويفِ، واحساسها بكينونةٍ تَلِيْقُ بتمزُّقِ ملابِسِهَا، ضعفُ حيلةِ (ألـ)أغصانِ يَشْتَهِي مَخَالِبَهَا (ألـ)صغيرة. الطِّفلَةُ عند الزاويةِ تُشَاهِدُ وتبكي، الطفلُ عند الزاويةِ يقضم فُسْتَانَهَا القديم بعُيُونِهِ ويتألَّمُ بفَمِهِ الصَّغِير، الفقرُ يعضُّ الألمَ، يمضغ غرائبيَّة حياتِهِ في خضمِّ الجوع والابتسامةِ والظُّلم الجميل. الطيورُ تحطُّ على دموعِ الفتاةِ وتشيِّد مستعمرات خَيَالها الطفل يتقوَّضُ عند حدودٍ دنيا من إصغاء الخدودِ المبتلَّةِ باللعبِ، وتخمين الضربَات البيتُ، بيتُ العالم التضوُّر للمجهول، وبياناتُهُ تترقرقُ من عجزها جذوراً تخترقُ جروحَ الصُّراخِ الحائم في الهواء ، هواءٌ تتنفَّسُه الأمُّ يتنفَّسُه بيضُ الطَّائِرِ في الماضِي. غموضُ العالم يتعدَّى الأزهار الميّتة على عنقٍ وحيدٍ بلا جَسَد، يتعدَّى مكالمات أطواقِ النجاة السابحة على نهرٍ جفَّ لتوِّه، يتعدَّى إشارة الإصبع الضائعة في كوم قشٍّ مُحتَرِق. أيةُ مؤامرةٍ سيدبرها الفأر الصغير؟ وهو يقف مقلوباً داخِلَ عَيْنِ القِطّ؟. أية مُوَارَبةٍ تنسجها لمسةُ الحبِّ عبر آلةٍ موسيقيةٍ تكتنـز الهواء كلَّهُ لتَحْيَا؟. هذه الأرض دائرةٌ داخلَ كلِّ ما يدور مُحدِثةً دوَّاماتٍ من الحمَّى والصَّقِيعِ الشائخ، وكل كائنٍ يبحث عن قوَّته في موته، ويترنَّم بإيقاعٍ مائيٍّ شفَّاف؟. (ألـ): في النِّهاية، والبداية وما بينهما نُطَفٌ مِن لقاءٍ عابرٍ ضَمَّهم وتذبذبَ في الذُّبُول. عزيزي ميم، عزيزتي ميم لن تعرف مدى الصعوبات التي مررت بها لأصل إلى هذه الحالة المتّزنة التي تجعلني أقف عند نافذة البيت، وأحياناً من على السقف، وأراقب تحركاتك في الظلام، في السماء المتعالية على طلاَّبها. لن تعرف مدى الإظلام الذي حاق بحدقتي السوداء أصلاً لأتمكن من مراقبة حركة شفاهك بين فينة وأخرى، وهما تنطبقان على عالمٍ من الكلمات الصامتة، غير المنطوقة، على عالمٍ من التآويل المتشابكة التي تربط السياسة بالفلسفة بعيون الأفكار الحربية وكنوز الحكايات السحرية في أيام الخسف والنسف القادمة على هذه البلاد الضلِّيلة، والدة الضليلين الذين، إن طفروا على سطح جلدها، نعلم كم اقتربت ساعة الذبح الكبرى، لحظة تتساوى مخيلة المأذنة مع أنَّةِ قبضةٍ تضربُ فكَّ حارسٍ ليليٍّ مخمورٍ يتسلَّى بأغانٍ قديمةٍ في ذاكرته المترنحة!. عزيزي ميم، عزيزتي ميم لا أعرف ما يمكن أن يقال في ساعةٍ كهذه، انتصافُ خفافيشٍ في الدَّم كساعاتٍ مصَّاصةٍ، وانقلابُ خنافسٍ على ظهرها وهي تضحك في ساحات القلب المخرَّقةِ بالجرائم الجماعية المُرتكبة عن قصدٍ سيء الظنّ في براءته!. ياللهول، كم تبقّى من وقت لأحصل على مصابيح غرفتك المعلَّقة بخيوطٍ عدميةٍ وأعصرها على نهديّ وأبكي بحليبي على ضوئها. هل تعرف هذا الوقت؟، يشبه تماماً الحالة المرتبكة من وقوفك لتتبوَّل في شارعٍ عام وتظهر، فجأةً، سيارة مملوئة بعائلة تتضاحك وبضوءٍ ساطع عليك!. يشبه تماماً وقوفك أمام (زبالةٍ) معروفةٍ للجميع كمكانٍ للبول العام وبجانبك شخصٌ يشاركك العمل على إخراج المياه الصفراء الجميلة بأمانٍ يكتنف قلبيكما بضرورة إنجاز العمل بإخلاص!، يشبه تماماً، وبالضبط مُطلقاً؛ أن تستدرج بَوَّالِي المكان العام للبول في الشَّارع العام المحترم، وتأتي بعوائل المدينة وتكشفون المكان بآلاف السَّيارات الفخمة والمحطَّمة، وتشعلون حفلاً من البول والأطفال والولادات القيصرية والانتشاء الآمن الزوجيّ بلا هوادة. عزيزي ميم، عزيزتي ميم من الذي صنع الزَّمان إن لم يكن تجويف الصدر المملوء بلحمٍ نابضٍ، حيواناً دمويِّاً شرهاً للحركة وضَخِّ الدِّماء؟، من الذي صنع المكان إن لم تكن النَّظرةُ الجَّارحة لمحتويات الهواء المسلّ
َح بقضبان قوس قزح؟، من هو صاحب البال الآمن، والذي يشاهد كل هذا التكوين دون إفصاحٍ عن طبيعةِ بكائه طبيعة غضبه طبيعة حنانه طبيعة يديه طبيعة أنيابه طبيعة عَرَقِه الملتهب طبيعة أغوار ثيابه الممزقة طبيعة تلقينه للرسالات؛ أعني طبيعة شفاهه طبيعة قُبَلِهِ؛ أعني طبيعة تربة رحم أمِّ حواسِّه المعطَّلة!. قلتُ أراقب حركتك، أنقلها إلى جسدي بنظرتي، ماصَّاً رجفات الأجفان اللاإرادية، أسخِّن المغص البائن على جبينك وأشربه في الحال وأهرب من بيت أبي وأمي، أهرب من العشّ من البحر من عرين الأسودِ وأعالي الأشجار المكسَّرة بقفزات القردة من كهفٍ تمزِّقه روائح الفرائس من طاقم الأعماق الغارق في سخط نقوشٍ بدائيَّةٍ، أهربُ حامِلٌ بقلبي على أسنَّةِ المرآة. ديسمبر 2007 – يناير 2008م

أضف تعليقك المزيد...

الفصول الأربعة – فصل الشتاء – Vivaldi-The Four Seasons and Violin Concertos

هنا تجدون جزء من الفصول الأربعة الشهيرة لأنطونيو فيفالدي، وسأنشر بقية الفصل، الشتاء، لاحقاً

10. Concerto No. 4 In F Minor, Rv 297 'winter' – I Allegro Non Molto

أضف تعليقك المزيد...

تحقيقات (كانَ) – الجزء الأول – الوَثَائِق



1- الصَّرْخَة

 

 

الْمَهَاوِي..

مَسَاكِنُ الكِلاَبِ فِي بَطْنِهَا الْمَبْقُورة،

الشَوَائِبُ بأمْزِجَةٍ مُتَأَمِّلَةٍ تَتَنَهَّدُ عَلَى سُطُوحِ الأَنْهَارِ الَّتِي تَعْبُرُ، نَحِيْفَةً جَائِعَة.

الْمَهَاوِي..

فَمُ الرَّائِي،

رِئَةُ الْمَسْجُونِ،

شَيْبُ الْمُنْتَحِرَة.

اصْرُخْ

أيُّهَا الوَرَقُ الْمَطَّاطِيُّ الأَصْفَر، عَاشِقُ الأَشْجَارِ الْمَتْرُوكِ،

أيُّهَا اللَّوْنُ الوَرْدِيُّ عَلَى خَدِّ القُنْبُلَة،

أيُّهَا السَّائِحُ، الْمُتَنَكِّرُ بِوَجْهِ الْمُهَرِّج.

اصْرُخْ فِي الْمَهَاوِي..

لَنْ تَتَرَدَّدَ الصَّرْخَة،

يَتَوَقَّفُ نَبْضُهَا بَعْدَ رَكْضِهَا الطَّوِيْلِ عَلَى ظَهْرِ الهَوَاءِ الْمُتَعَرِّجِ

وتَبْدَأُ فِي السَّيْرِ الهَادِئ وَهِيَ مَيِّتةٌ

بَعْدَهَا سَتَنْدَمُ عَلَى الارْتِجَافَةِ الَّتِي تَرَكَتْهَا فَوْقَ الشِّفَاهِ _نَارُهَا الأُم_

الجَّزَعِ الْمَحْرُوقِ بِثِيَابِ ذِكْرَيَاتِهَا دَاخِلَ الجَّسَدِ البَشَرِيِّ الأَخْرَسْ،

السَّمَاوَاتِ الدَّامِيَةِ فِي العُيُونِ الْمُنْتَظِرَة.

تَبْدَأُ السَّيْرَ الهَادِئ وَهِيَ مَيِّتةٌ فِي الحَيَاة،

مُخَلِّفةً وَجْهَ الْمَهَاوِي مَشْقُوقَاً إلى قَتَلَةٍ وسُمَّارٍ لَيْلِيِّينَ يَكْرُهونَ إغْمَاضَةِ الجِّفْنِ عَلَى الظَّلاَم،

تَظَلُّ حَاضِرَةً بلا شُكُوكٍ

عَارِفَةً مِقْدَارَ الصَّمْتِ فِي العَالَمِ بِيَدَيْهَا الْمُلتَهِبَتَيْنِ مِن قَسْوَةِ الإدْرَاك

عَارِفَةً شُحْنَةَ البَشَرِ السَّائِلَةِ فِي نُطْقِ الحَرْفِ وَهُوَ غَافِلٌ عَنْ مَعْنَاهُ.

(هَلْ طَعْمُ العَالَمِ صَامِتٌ؟

لهُ طَعْمُ الرِّيَاحِ العَاجِزَة،

مَنْ تُلاَمِسُ أَبَدَاً جَسَدَ الهَاوِي فِي الْمَهَاوِي دُونَ الإمْسَاكِ بِجَمَالِهِ؟).

أيَّتُهَا الصَّرْخَةُ

اصْرُخِي لِتَعْذِيْبِ سُلاَلاَتِ رُوحِكِ البَارِحَة.

 

 

2- الْمُقْبِل

أَبْوَابٌ تَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهَا آثَارَ الطَّرْقِ والرِّيْبَةِ الْمَتْرُوكَةِ عَلَيْهَا

وتَهْرُبُ

_بإذْنِ مَنَافِذِ العَالَمِ،

بِكَوْنِهَا لُغَةَ الْمَجْهُولِ ورَائِحَةَ الْمُغَامَرَة_

خَارِجَ الْمَكَانِ بِزَمَانِهَا اللَّيْلِي.

ـ مَنْ شَاهَدَهَا؟

ـ شَعْرَةٌ سَقَطَتْ مِن جَرَّاءِ عِنَاقٍ دَاخِلَ غَابَةٍ تُحْتَضَر

عِنَاقٌ لَيْسَ سِرَّاً

عَلَى مَرْأَى مِن الأَجِنَّةِ فِي الغَيْب

_الوُشَاة السُّوقِيُّون_.

أبْوَابٌ تُهَرِّبُ العِنَاقَ

وتُضَحِّي بِوُجُودِهَا _دُونَ سِتْرٍ_

فِي لَهِيْبِ الْمَكَانِ الْمُتَصَاعِدِ

بإيقَاعِ ذُنُوبٍ

بِشَهْوَةِ فَرَاغٍ يَكْمُنُ خَلْفَهَا فَرِيْسَةً لا تَخَاف.

 

 

3- الْمُجَمَّد

 

الحَدِيْدُ دُمُوعُ الأرضِ الجَّافَّة

صَنَعَتْ بِهِ يَدُ الإنْسَانِ _عَيْنُ الأرْضِ السَّافِرَة_

الأسْلِحَةَ

سُورَ الحَدِيْقَة.

ولَيْسَ غَرِيْبَاً أن تَرَى

طِفْلاً يُمْسِكُ السُّورَ ويَبْتَسِم

طَائِرَاً يَحُطُّ عَلَى السِّلاَحِ ويَجْرَحُ الخَرَابَ بِغِنَائِهِ…

الغَرِيْبُ

أن تَتَسَلَّمَ الأرْضُ قِيَادَ الجُّيُوشِ البَشَرِيَّةِ _هَلْ رَأَيْتَ هَذَا؟_ وتَزْحَفَ باتِّجَاهِ الْمَنْثُورِ فِي أرْجَائِهَا؛ سَطْحِهَا، الْمَخْدُوشِ بِصَيْحَاتِ الأطْفَالِ الْمُمْسِكِيْنَ بالأسْوَارِ، الْمُسَطَّحِ لأجلِ تَشْذِيْبِ الحَوَاسِّ وتَجْرِيْحِ حُدُودِهَا بالْمُسْتَحِيْل.

الغَرِيْبُ

أنْ تُخلعَ السَّمَاءُ مِن عَرْشِهَا الْمُزَيَّنِ بالتَّكَهُّنَات والأعْمِدَةِ الحَدِيْدَية _سُلاَلةِ دُمُوعِ الأرضِ الملكيَّة_ الَّتِي تَسْنِدُهَا بِخُبْثٍ خَفِيٍّ!.

تَعَلَّقْ بالحَدِيْدِ الطَّائِر شَرَائِحَاً فِي الهَوَاءِ الصَّلْب،

دَعْهُ يَحْمِلْكَ فِي رِيْشِه الخَافِقِ بالصَّرَامَةِ واللَّمَعَانِ البَاهِتِ

دَعْهُ يُكْمِلْ دَوْرَةَ حَيَاتِهِ؛ مُنْذُ السُّورِ، اللُّعبَةِ، أدَوَاتِ الطَّبْخِ الألِيْفَةِ، هَيَاكِلِ الْمَصَانِعِ الْمَنْخُورَةِ بالبُطُولاتِ والدُّخَانِ الحَزِيْن، النظَّارَاتِ الجافَّةِ بالدُّمُوعِ الحَكِيْمَةِ، سَنَابِكِ الْخُيُولِ الأَنِيْنَةِ والعَرَبَةِ الَّتِي تَجُرُّهَا بِغَفْلَةِ رَاكِبِهَا.

دَعْهُ يُكْمِل دَوْرَتَهُ فِي صَلِيْلِ قُلُوبِكَ الْمُتَضَارِبَةِ فِي فَرَاغِ النَّبْض،

وليَكُن انْصَاتُكَ لَهَا خَافِتَاً عَلَى أَلَمِ صَدْرِكَ الْمُشِعِّ بِحُريَّتِهِ المُتَنَفَّسَةِ بالشَّرَر.

الحَدِيْدُ شُجُونُ الأرْضِ الْمُتَشَجِّرَةِ فِي الأشْكَالِ الجَّامِدَة،

الْمَصْبُوبَةِ بَرْدَاً وسَلاَمَاً عَلَى الدَّمِ الْمُرَاقِ،

أنِيْسَتُهُ فِي القَّبْرِ الغَارِب،

جَلِيْسَتُهُ وَهِيَ تَرْقُصُ ذَائِبَةً بِنِيْرَانِ الجَّحِيْم،

رَسُولَتُهُ دَاخِلَ إيْقَاعِ كَلِمَاتِ الله.

 

 

4- النُّكْرَان

(1)

يَا لَكَوْنِكِ.

خَالِقَةٌ تَتَلَعْثَمُ فِي نُطْقِ أسْمَاءِ مَخْلُوقَاتِهَا الرَّاعِبَةِ

لِيَخْرُجُوا هَكَذَا:

يَتَمَسَّحُونَ بالجُدْرَانِ زُلْفَى، وهي هَارِبَةٌ مِن حِصَارِهِم،

تَتَشَقَّقُ فِي صَيْحَاتِهِم رَقَصَاتٌ مَفْتُونَةٌ بِضَمِيْرِ الشَّلَلْ،

تَكْسُو أَصَابِعُهُم الرَّقِيْقَةُ جَفَافَ الرِّيْحِ

بأسْمَالٍ بَاحُوا بِهَا

أَمَامَ جَلاَلِكِ الْمُنْتَهَكِ

ولَمْ تُبْصِرِي سَلاَمَهَا الأَعْمَى.

الرِّيحُ

(تِلْكَ الْمُتَمَدِّدَةُ فِي الفَرَاغَاتِ بَيْنَ خَلاَيَا التُّرَابِ

كَثُعْبَانٍ زِئْبَقِيٍّ يَنْكَمِشُ إثرَ حَالِ نَظَرَاتِ العَابِرِيْن).

(2)

يَا لكَوْنِكِ

مُنْذُ البَرْقِ مَقْهُورَاً يَتَدَرَّبُ عَلَى خَطْفِ سُلاَلاتِكِ البَاهِتَةِ

فِي اللُّغةِ، وجُرْحِ الإنْسَان،

مُنْذُ أن نَهَرَكِ الطِّفْلُ الْمَولُودُ

لِيَكْشِفَ لَكِ هَوْلَ ا

أضف تعليقك المزيد...

غرقى في المياه الجميلة، كتاب لخالد حسن عثمان

حمِّل كتاب (غرقى في المياه الجميلة) لخالد حسن عثمان

على الرابط التالي

http://www.4shared.com/file/56669277/8c7a3716/KHALID_HASSAN.html?

 

أضف تعليقك المزيد...

كتاب جناين الهندسة لمحمد الصادق الحاج

حمِّل كتاب جناين الهندسة

على الرابط التالي:

http://www.4shared.com/file/56669750/26e302dc/gnainfinal.html?

 

أضف تعليقك المزيد...

من حيث أورهان باموك – مُرْضِعَة لِغَيْر التَّغْذِيَة/ محمد الصادق الحاج (جزء أول)

(يُحكى أن غلاماً من تلامذة ابن عربي أتاه يوماً مسروراً، ورَوَى للشيخ أنه كان يعبر البستانَ إذ كلَّمَتْه زهرةٌ وجادت عليه بعِلْم النباتات كافةً ما يداوي وما يُسِمّ. فارتعش الشيخ مشفقاً على تلميذه وصاح به: عُدْ إليها واسألها أن تَرُدَّ عليها ما أعطتك فليس هذا بعِلْم).

(رُوِيَ عن عبد الغني النابلسي أنه كان يسير مرةً بالقرب من أحد بساتين القدس مُطْرِقاً فإذا بزهرة تمشي إلى جانبه تكاد تسبقه).

(حدَّثَنا أورهان باموك عن حكيمين اسْتَبَقَا؛ مَنْ منهما سيُمِيتُ الآخرَ أولاً وبطريقة رشيقة وسريعة. الأول منهما أتى بالسم أمام أخيه فمزجه له في كوب الشراب وقدَّمه له، فما تردَّد هذا في تناوله منه بكل وَقَار ثم شربه، وأثناء سريان السُّم في بدنه اتجه إلى زهرة في البستان وهمس لها بـ(شِعْرٍ مُظْلِم) ثم قطفها فمدَّها إلى الأول الذي سقط ميتاً من الخوف قبل أن يتناول الزهرة من يد أخيه).

فمَن هذه الزهرة التي ليست كأية زهرة نعرف؟، ما الذي يضاهي لذّة المفاجأة؟. أن تُشرق الإضماراتُ عليك مضعضِعةً كيانك ذرّاتٍ تشعّ في عدم الانتباه؛ أتَخْيِيلٌ هذا أم مجاز أم حقيقة؟. وإذا عجزت المعرفة النظرية والمادية عن (إمداد) حياة اليوم بمطلوبها الملحّ من الحقائق والوقائع الملائمة لنوعية الحياة الداخلية المزمجرة في أحشائها؛ فـ(البغتة) أَوْلَى بأن يطلبها اليوم.

طوفانُ ملاحظاتٍ، استنتاجات، أراشيف، استباقات تخزينية، اختراعات، علومٌ منتهى طموحها أن تقف عائقاً أمام اللطمة، أن تعرقل سَيْر المجهول بالمعادلات الرياضية موضوعة أبداً كأفواه البَارْكِن ثابتة الصرخة على مفارق التحليق لتوفير بطّانية كثيفة تقلِّل ـ بالميِّت ـ من قوة سقطة الأرض على صلابة الفجأة. الإلحاح على الظلام بالمجازات النورانية، الخوض بسيقان المنهج المنطقية المخْشِبَة في ظلمة الزهرة التي لا طُرُق، بل عماء مجفل يتراقص في الجلد كالسراب ويرسل نُذُر الخطر.

من حيث بابٍ في ظلام الحقل أطارَتْهُ عن مفصَّلاته ركلة الكاوبوي التركي العابث أورهان باموك، أرى أبِي هَوْلِ المجازِ العصريّ يَسألُ الداخلين: (ما هو الغذاء الذي لغير التغذية؛ يُبْذَر في الخلود ويُؤكَل اللحظة؟). أرى أورهان باموك؛ البطل؛ بطل كل رواياته، يصطنع حيرةً مسرحيةً ثم يلطم حيوان المكتبة؛ المسخ السكران الذي لا يموت ولا يحيا، بِرَدّ كان على الفنان أن يُتْلِفَ ليس أقل من آلافٍ ليلفظه: (اللَّذيذ).

 

 

1. استيراد الخائن

سياسيٌّ بمحمولاتٍ تتراوَح. هذا ما بدا لي من ظن أورهان باموك بالوجود. ولعل المفردة (سياسيّ)، حتى بما تحمله من شرر يطفئه البعض ويضرمه غيره ويضطرم فيه (يأكله البعض ويضاعفه غيره ويتضاعف فيه)، وبما تتَّسم به ـ سياسيّ ـ من إحالات إلى البراغماتية ونزوع نحو التحليل الموضوعي لمجريات الواقع والخيال بتبسيط مجازاتها، هي الأشد نفاذاً إلى أثر الروائي التركي أورهان باموك.

على أن ما تبادر لي من (مذهبيةٍ سياسيةٍ)؛ قُل (ذرائعية)، تنطوي عليها روايتاه (القلعة البيضاء) و(اسمي أحمر)، أعني ما تبادر لي من ارتباطاتهما في وليمة التاريخ والحاضر، لا يعود بي إلى (عالم ظريف أفندي) حيث يعمل الجانب المأكول المستساغ المغذِّي، القابل للإطفاء، من محمولات المفردة (سياسي)، هذا الجانب الذي لا يهمّه من الأثر الفني غير علبة الإسعافات الأولية، يبحث عنها، فإن لم يجدها عَدَّ الأثر ذاتياً (مغترباً!) و(انصرافياً) و(يفتقر إلى المنطق) و(منفصلاً عن)، وإن وجدها شَقِيَ الأثر الفني بذلك أكثر؛ فهو؛ أي الأثر الفني، تحت الطائلة القصيرة لهذا الإكرام المحقِّر، لا يعود يعمل إلا في حدود ما قدَّمته علبة الإسعافات الأولية للجنود، بحكم احتوائها على اللازم والظرفي من ما يحتاجون، في طارئية جبهة القتال، من البلاغة المحدودة المتواثَق عليها للمعاملات الدولية الشغوفة بانتزاع أنبوب المجازات العمومية الجاهزة من علبته وتركيبه في آلة الحقْن الشعبية لتعبئة مَرْضَاها بالفذِّ من اعتبارات الماضي وتفاضلات الحاضر وتكاملاته واحتمالات المستقبل. هنا يُحْمَل المجاز سلاحاً ضدَّ الغير. ذرائعية مضادَّة.

عن علبة الإسعافات الأولية؛ هذه المستخلَصة قسراً من بين أصابع الفنان، فمُقْتَصَراً عليها تحت تأثير النداء
الكاريزمي الملِحّ المشعوذ الخالد يعلو مزلزلاً العقل بصفافير الطوارئ والإنذار لا ينتهي، وعن ما يقابلها من مفاعيل علاجية وأعشاب طبية وأوبئة وسموم والتهابات متآخية في حقل الفنان لا يريد أحد تناولها… عن هذا المزاج المعاصر المُكْرِب، يدور تقرير الجاسوس هذا.

إنهما طريقتان في التناول. أحمر. أسود. مِزَاجٌ شقيٌّ. يرسلُ الفنانُ المفعولَ صرفاً، والمستقبِلون يحاصرون الحقل بالعكاكيز يريدون قطف الثمار بأنفسهم، صارخين به في هَوْهَوَة الجحود: (كيف يبدو الخنجر من الداخل؟) بشهادة هاشم يوسف. يَسمع الفنان: (كيف يبدو الخنجر من الداخل: تخييل). يسمع الفنان: (كيف يبدو الخنجر من الداخل: فيزياء). فيُبْرِزُ أمامه هذان التحقيقان نطاقي بحث مختلفين عن بعضهما كثيراً. إن تحقيق الخنجر الذي شهده هاشم لم يَرِد في كتاب عن المعادن، بل في نص شعري، ولهذا جاز له أن يحيل قارئَهُ إلى طبقة شعرية من وجود الخنجر، نطاق سحري، يحوي صورةً بعينها ذات طابع تخييلي وسحري يتحكم في نوعيته خيالُ قارئها. صورة، لا صلة لها البتة بالمكون المادي العياني للخنجر، صورة تعرض جانباً من هذه القيادة الروحية الدائمة التي ينتهض بها الفنان، الجانب التنشيطي المضلّ المشكِّك أبداً في صلاحية العقل المُتَّعِظ، المتسائل أبداً عن ما يُرى في ما لا يُرى، المدبِّر أمراً لايُنَال بالأدوات، المُلِحّ لا يتعظ من الجُّحْر ذاته يُلْدَغ في كل مرة: الجُّحر الذي منبع الرمز والعاطفة الروحية، والذي نَبَتَ المُطْلَق من تربته مراراً وتكراراً، لا يتوب الفنان ـ هذا السندباد الدونكيشوت ـ من ارتياده، فهو يعرف أن المطلق رأس واحدة تطل من تحت ركام فيه رؤوس وطبقات كثيرة لا يريد الفنان أياً منها، وإن كان المطلَق أقواها طموحاً وطمعاً وأشرسها طلائعاً، إلا أن الفنان يقطِّع اللدغة في جلده كلما أطل عائق المطلق برأسه من ذلك الجحر وأخرسه، ثم يقصده الفنان الجُّحْرَ مرةً أخرى، (وَرْدَة للمَجِيءِ هُنَا مَرَّةً أُخْرَى سيِّدي: مازن مصطفى) وأخرى، وأخرى، يمد يده، (ما الذي أتَمَثَّلُ في غايتي كي أُوْدِعَ الخنجرَ في أمنياتِ القَدِيد: مازن مصطفى). يعرف أن الخنجر، وإن اُسبغت عليه من الداخل صورة (الطعنة)، وإن نُصِّب القتلُ جوهراً ثقافياً على عرش الخنجر، إلا أن الخنجر المدفون في جُحْر الخيال ليس خنجراً قَطّ، ليس خنجراً ولا طعنةً وليس حديداً ولا شأن له بالقتل ولا بالشعر، ولو أن قطعةً من الروث نصبته فاشلاً مثالياً من داخل الجُّحْر لما كان الفنان نادماً، بل لكانت قطعة الروث أوفى له بحاجته من المطلق، ما دامت لم تُعِد عليه مجدداً ترديد أُنشودة الحق والخير والجمال من أفواه الجوهريين مُسَوِّقِي الرَّعشات الذين ياما قصفوا الفنان بقاذفات السوق والمعبد والمصنع.

إلا أن التحقيق ذاته، حين يطرحه أستاذ في علم المعادن، واضعاً خنجراً من الحديد مثلاً أمام تلاميذه، ينتقل تفكيرهم تلقائياً حيال (كيف يبدو الخنجر من الداخل؟) إلى نطاق البحث مرجعياً في نسيج المادة المعدنية ودرجة الضغط والحرارة والاصطدام والثقل والكثافة ونشاط الذرات في حالة التسخين أو التبريد إو الإذابة و… وهم يجدون في المرجع الخارجي ما يفحمهم، ولكن لا مرجع للفنان يعود إليه، لا سوق للرعشة في ظلمة الفنان المحرجة. ولقد يخرسه الذهول إن أُحيل إلى ما أحيل إليه دارسو علم المعادن. وبعد موت الواقعية التربوية في قريتها، وبعد الشيخوخة المبكرة التي قضت على النظرية البنيوية الغالية طفلةً بفعل خطايا توأمها البنيوية التطبيقية، من ذا يجرؤ من ثَمّ أن يتطرق إلى عِلْم الفنّ، أو إلى علم الأثر الفني مطمئناً أن لا تتناهشه الدوارق والسحَّاحات ووحدات القياس والمعادلات والمساطر والأسهم والإحصائيات والجداول التكرارية، والأدوات المنهجية كافةً هاتفةً: تحت أمرك!.

تعود بي مذهبية باموك السياسية إلى الجانب الآخر؛ الذرائعيّ، (عالم قَرَه.. الأسْوَد)، الذي يُضْرِم ويُضْرَم ويُضْطَرَمُ فيه، الذي حين صَوَّب أخطأ، وحين لم يصوِّب أصاب. إلى (السياسة) التي هي الوجود ذاته: أن تكون؛ أن تصير، أن تكافح مكراً لمكرٍ إنسانَ الإسعافات الأولية هذا مُجْمَلاً، أن تجرَّ النِّـيَّاتِ كلها؛ قويمةً ومعوجَّةً، كلها، عمياء، إلى مخدعك المَذْهَبي المضعضع، فتنتقي منها أكثرَها قدرةً على الانقياد إلى امتيازات المذهب، مع القدرة على تلافي عيوبه وتجاهلها وتبريرها إن هي لوحظت من الخارج، فالقدرة من ثَمّ على التغطية على إقليمية المذهب وعلى قُعُودِ مَقَالِهِ دون ملائمة كل مقام. أن تقوم بديلاً بسيف (السياسة) الضِّد، التي وَعْدٌ شخصيٌّ دائمٌ بـ(النَّجَاة) يلتزم به الشخص لنفسه عليها. (السياسة) التي الصَّبْر على أعباء المعاملة، أسَيِّئةً كانت أم حسنة، يستوي عندها مقدار الألم الذي تسببه ضرورة الالتزام بحمل السلاح؛ تناوله من الخارج، التهامه، لا تغذِّياً عليه، بل لتغذيته هو بحبل سري يعمل بمثابة الوصلة الجاسوسة على الموضع المُظْلِم، ثم تمكينه من الانسياب سلساً في النطاقات الشخصية، قائماً مقام الوضعية الآسفة للفيروس الفاتك المعدَّل صيدلياً بغرض تشغيله كمَصْل.

السياسة/الاضطرار إلى (زوج خالتكم)، يلوذ به (قَرَه) أملاً في أن يُجِيرَه من الانغماس في معطيات جهله وتوليدها، وذلك باستخدامه الاستراتيجيات الدبلوماسيات الحربيات الجاهزات التي تُوفِّرها متاجر المشاركة والتبادل الجماعية لكل المشتركين. السياسة/الأمل، التي هي استيراد الخائن. هي (وَرْدَةٌ للمَزِيد… مِن ارتطامِ الأشجارِ في مُطْلَقِ الشَّجَرَةِ الوَاحِدَة: مازن مصطفى). هي العملية الوحيدة التي تتغذَّى وتغذِّي بذات الآلية، في سلسلة لاهرمية؛ متنامية من تنامي رطانات عناصرها، تتكثَّف، تتضاغط، تتجمَّع، تتفرَّق…، أبداً، داخل اللحظة مثل ريح مغلَقة، كل عنصر فيها يأكلُ آكلَه، وآكِلُه يأكُلُه، وكلاهما يأكل في ذات اللحظة من جهات أخرى، ويؤكل منها ومن غيرها، ومع ذلك يدوم الشخص في هذه الآكُولَة الأَيْكَلَة الدائرة ملتفتاً أبداً إلى الموضع المُظْلِم فيه؛ غير الخاضع لسيطرته، كأنما لا جهة أخرى في الكون غير جهة يتوسَّم فيها الشخص أن تخونه في أية لحظة؛ جهة كامنة فيه، تطلق عليه باستمرار نُذُر الخطر، الموضع الذي من أجله، وخوفاً من ما ينذر به، واستعداداً له، يتزوَّد الشخص بالغير سلاحاً.

كل هذا يدور في هذه العملية التي السياسة؛ التي الترجمة اللفظية والصرفية والاصطلاحية والبلاغية لعملية كابوسية رهيبة مكتظة ما أمكن بالتعقيدات والتنويعات والتباديل. العملية التي تسمى: السلوك البشري. هنا يُحْمَل الغير سلاحاً ضد النفس. ضد اللحمة الجمرة التي لا تُنضِج ولا تَنْضُج ولا تحترق ولا تخمد.

وما من خطر مجدب يعود على أثر الفنان ما لم يتوسم في نفسه أو في أثره الطِّيبة والحق والخير والصَّلاح والجَّمال والجدوى والفائدة. ليس الفنان ولا أثره بهذا المهرِّج؛ ظريف أفندي!.

 

2. لا تدع الفرصة تفوتك

صحيفة سُوق الرّعشات. تَصدر مرةً كل قرن، عن مقهى مَن لارجال ولانساء. تَقرأ في هذا العصر: في لمسة الدواء، كورسات فورية لتلقين مبادئ الرعشة. على صفحة السيف: منتخب الظلام يغلي بعظامه في الخيريات. الجهاز العامل بصيغة المصدر يقدم: سيزار فاييخو بالعسل. لغويون، فنانون، فلاسفة، علميون: طوَّعوا (الألف) حتى أقاموا له قصراً، وعثروا على الصفر وجبروا كسور الواحد. الشَّمَار الحار: عودة ظريف أفندي. اليوم.. لا تدع الفرصة تفوتك: المستنيرون، الثقافيون، المؤمنون بالله وملائكته ورسله، المؤمنون بالإنسان والنسوان ورأب الصدع، العازمون على دخول الخير من كل باب، الشقوق والعقائر تغريداً بمكاسب الحداثة والكونية في جوقة العقل.. اليوم: يحمْبِرون تحت صهريج القوميات الثقافية.. آخر عرض.. لك ولعائلتك.. لأنك تستحق الجودة..

 

3. الزَّهرَة مُظْلِمة

الحقولُ مُظْلِمة مُظْلِمة. الفنّانُ مُظْلِم. البشريّ مُظْلِم. الصّدِيقُ مُظْلِم. الحبيبُ مُظْلِم. الفيزياء مُظْلِمة. الميتافيزياء مُظْلِمة. الشخصُ مُظْلِم. الباراشخص مُظْلِم. الأثر الفنيّ مُظْلِم. المصنعُ مُظْلِم. المسجدُ مُظْلِم. المكتبُ مُظْلِم. النّومُ مُظْلِم. النّورُ مُظْلِم. الموضعُ مُظْلِم. اليومُ مُظْلِم. الحياةُ مُظْلِمة. الموتُ مُظْلِم. الشيءُ مُظْلِم. اللاشيءُ مُظْلِم. البيانُ مُظْلِم. اللُّغزُ مُظْلِم. اللّغةُ مُظْلِمة. الخَرَسُ مُظْلِم. الحواسّ مُظْلِمة. الوعيُ مُظْلِم. اللاوعيُ مُظْلِم… الحقولُ مُظْلِمة مُظْلِمة. كلُّ متعيِّنٍ مُظْلِم. كلّ مجرّدٍ مُظْلِم. كلّ عملٍ يجري مَجْرَى القيمةِ مُظْلِم. ليس إلا الحقول. الحقولُ مُظْلِمة مُظْلِمة.

الحقول الجنود على الحدود التي مركَّبة أجسادهم فيها سدادات على الثّغور التي هي أجسادهم بالذّات. (الرُّعْبُ مغلق: أحمد النشادر). الرُّعْب مغلقٌ سيدي!. الثُّغور تُولَد بلا انقطاع. والسدادات. كأن ما من صَدْع يحدث في الكون إلا وتحدث رَأْبَته معه. هب هذه الأرض ساحة مسوّرة. والحقول أشخاص بشرية. الأشخاص هم سكّان الساحة لا يعرفون وجهة خارجها. تحتهم يابسة مستقرّة وفوقهم مفتوح على احتمالاته، وهم يتحركون في النطاق السماوي القصير من الكون الذي ينتهي بعلو رؤوسهم. سَمِّه الفراغ، سمه الهواء، سمه الثلاثة الأمتار العمودية التي حول قشرة الأرض، يعيشون حياتهم على الدَّيْدن. الآن انظر إلى أجسادهم ودقِّق. هل رأيت أثر اللحام؟. كل جسد يسدّ فجوةً في الفراغ مطابقة لقياساته البدنية تتحرك معه إن تحرَّك وتسكن إن سكن.

إذَن، باستدارة كتلته ومساحة محيطه، لكلِّ حقل مُظْلِم فَمٌ حُرٌّ واسع جامد الصرخة أخرس كفم الجزمة. فم ينمو قَبْلَ
حقله مطابقاً له قادحاً شرر امتثاله جوهراً ثقافياً مفشق الوركين في متناول أي متسوق يقتني علبة الإسعافات الأولية. وريثما ينضج الفم الفاغر في غرغرينا الجندي السدادة، يلبث الحقل غيرَ موجودٍ ينتظر اندراجَ الفَمِ في ولايات الجوهر الثقافي، حتى إذا اندرج، هَبَّ الحقل عياناً موجوداً لينطبق باستدارةِ جسده باباً على الفم الفَاغر مقفلاً مَا يَلِي ظَهْرَهُ من الالتهاب أنْ يتدفَّق إلى ما يَلِي بَطْنه من العالم. يَصُدُّ الحقل ما استطاع من الفيروسات والجراثيم ويمتَصّ ما لم يستطع بجذورٍ ألْسِنَةٍ من اللهبِ ناميةٍ في الظَّهْر المقعَّرِ المجَوَّفِ الصَّارِخ صَرْخَتَه المفرَدَة الطويلة. ومن ذلك يتصدَّع، وقبل أن يسيل شيء من الرعب عبر التَّصدُّعات النَّافذة من الظَّهر إلى البطن يموت الحقل المُظْلِم فتلتحم حدود استدارة جسده بحدود استدارة الفم قِفْلاً يََلبث
.

يعمل الجسد باباً في أحواله كافَّةً؛ أماشياً كان أم كان جالساً أم راكباً أم نائماً أم…، فهو في كلِّ الإحداثياتِ التي تنشأ عن حركته يجرُّ مع حدود استدارة جسده حدودَ استدارة الفَم. غير أنها حركةٌ لا تَسْتَمِدُّ حضورَها المادِّيَّ إلا من قبول حواسِّ الفنان بـ(صورةٍ عن الحقيقةِ) لا تُشْتَرَطُ فيها أية مواصفاتٍ بعينها ما دامت هذه (الصورةُ الكيفما اتَّفق) تزوِّد الفنان بوهم رفاهية الحضور المادِّيِّ الحرِّ المنفصل الذي يتيح للجسد أن يحملها ماشياً أو جالساً أو راكباً أو نائماً أو…، لأنَّ الحركة الوحيدة الممكنة لـ(الجسد باباً) هي وقوعه في مَهَبِّ تنفُّس الفم الذي يحيطُ به زافراً شاهقاً.

لكن الرُّعْب ـ أحياناً ـ مُغْلَق. الرعبُ لَيْسِيَّاتُ الدم؛ لحم هيهات حيث لا سماء فوق الجلد، ولكن الحواس الجاسوسة!؛ كعوب أخيل المتبرجة. لكن السوق. الفنان كعب أخيل. ومع أنه بمحض تعينه شخصاً بجسد يسد الثغر الذي يقابله شأنه شأن غيره من جنود التأمينات الحدودية، إلا أن ما يجعله مختلفاً عنهم أن إخلاصه يتراوح. وهو نازع ما بقي إلى أن يصير هو ذاته ثغرةً، لأن الرعب الذي يأتي إلى غيره من الحقول الجنود السدادات من قِبَل الظَّهر، مثلاً، أي إذا افترضنا أن الشخص يستقبل بواجهة جسدِه العالمَ التشاركي المهدَّد بالرعب، ويستدبر بظهره العالم الذي يأتي منه الرعب، سواء أكان هذا العالم هو ما يلي الظهر فعلياً أو كان هو العالم الداخلي المعمور بالمجردات من شاكلة الروح والنفس والعقل والوجدان والضمير وغير ذلك، أقول، إذا كان الرعب يأتي إلى غيره من قبل الظهر فإنه يأتي إلى الفنان من قبل الظهر ومن قبل العالم المباشر الذي يعمل على حمايته، كما يأتيه الرعب من عالمه الداخلي، سواء بسواء. فعن أي رعب ينغلقون.

هذا فنان يبيع مفاتيح ولاية الرعب (أبوابها: أقفالها: جسده). هذا فنان يلقِّن المسوقين والمتسوقين كيفية اقتحام القفل عنوةً. هذا فنان يعمل بالتّهريب. هذا فنان لا يدع أيَّ رُعْبٍ يعبُر من خلاله. هذا فنان يخصُّ بالرُّعبِ بعضاً ويحرم الغيرَ منه إلاَّ من ادّارَك. هذا فنان يفشِّق مصراعيه ما اتَّسعا وما اتسع الرُّعب ولكنه يبقى باباً. هذا فنان يخطو بجسده كُلّه منسلخاً عن حَلَق الفم الذي له استدارة جسده ومساحة محيطه يتركه فاغراً ثانيةً يسترسل كالفم العاديِّ ذاته يطعم بالرُّعب عالَمين بحالهما بمحض وجوده: عدم الباب. فهذا عالَم كان يليه من جهة قد هي بطنه وقد هي الظَّهْر، وذاك عالَم كان يليه من الجهة التي ليسَت الأخرى، يجهَلان من منهما الظَّاهر ومن منهما الباطن. عالَمان كلاهما يرعب الآخَر. متفقان على الظلمة، ملتفتان كلاهما في الواقع إلى عالم جزيري يتوسطهما؛ يختلس النظر متقلباً بينهما، عالم ثالث يرعبها الاثنين. وهما في ظلمة المستنقعات ينصتان مرتجفين و(الضفادع تتنادى: رينيه شار). والذرائع تتجوهر، والحقول تتمطلق، والحدود تتثقف، والقلوب تنتفخ من تخمُّر الروح. يصير كل شيء جميلاً. إنه اليوم السابع. الجميع في السوق. الرعشات على الطرابيز والشناكل. المساومات فوق.

إنما، وأثناءما الفنان بابٌ، والرُّعْب يأتيه من قُبلٍ ومن دبر ومن داخل، وهو كله عين لا ترى سوى جذور اللَّهَب خارجةً منها تلتهم الولايات الثلاث، ماذا يكون الفنان غير بابٍ ما لم ينصرف؟.

 

4. الذرائعيّ

لكن الوسيلة ليست الطريق، ليست الذريعة، بل هي الغاية. هي آلة لتنفيذ الذريعة وإقرارها وإدامتها. بمعنى أن عزَّة الغاية لا تنبع من كونها قد تمحو أضرار الوسيلة التي اتُّبِعَت لتحصيلها، بل إن عزة الغاية تنبع من كونها قائمة في موضع سابق على اتِّباع الوسيلة واتخاذها مجرىً للذريعة. أسبقية زمانية ومكانية وهدفية. فالذر

أضف تعليقك المزيد...

العَنكبوتُ يَخْرُجُ من كوابيس اليَد

(1)

تحدثتُ مع طبيبةٍ في موضوعٍ عاديّ، وهو "محبتي" لنوعٍ محدَّد من الهواتف (الجوَّالة)، نوعٌ رخيص الثمن، وربما يُعتَبر بمقاييس مهووسي الهواتف الجوَّالة، المدققين في ثيابها ومكياجها، إضافةً، بالطبع، إلى قدراتها التكنولوجية؛ يُعتَبَر قبيحاً ومُخجلاً!. وكنت أرى أن حبّي لهذا الهاتف يكمن في تلك (اللَّمبة) البارزة عند رأسه، تُنير عند الطَّلب، قلت: (إنه يساعدني على القراءة في المواصلات العامَّة، خاصَّةً عندما يبخل صاحب الحافلة على الركاب بضوءٍ محترم، فأحياناً تجد الإضاءة باللون الأزرق أو الأحمر، كيف سأقرأ في إضاءةٍ كهذه؟) _معظم الكتب التي قرأتها كانت في المواصلات العامَّة_ قالت لي الطبيبة، تحت ثِقَلِ ضحكةٍ مكتومةٍ تكاد تُفلتُ منها: (نحن "نُفضِّل" هذا النوع لسببٍ آخر، سبب ربما يبدو قبيحاً، نستحدمه للتأكد من موت المريض بعد أن يتوقَّف نبضه، فإن مَرَّرتَ ضوء الهاتف على عينيه واستجابَت حَدَقتهَا الداخلية للضوء، فهذا يعني أنه لا زال حيَّاً، حتى ولو أشارت كل فعاليات جسده لموته)!. قلت في نفسي: لماذا قالت أن السبب (ربما) يبدو قبيحاً، ألأنه ملتبس؟ هل يبحث الأطباء، بضوء هاتفي العزيز، عن الموت في عين المريض؟ أم عن الحياة فيهما؟. هل تأكدٌ للأمل؟ أم أنه إخلاء للمسؤوليَّة من أنياب التشاؤم؟.

دفعتني هذه المحادثة السريعة إلى التفكير في أمرين: (العَمَلِيَّة) و(الهُوِيَّة). ما معنى أن يكون الشخص (عملياً)؟ وهل هنالك هويّة إنسانية ستبرز لساحة الصراع التاريخيّ للهوية، أعلى من الجنس واللون والعرق والدين والجغرافيا؟. أظنُّ، غير آثمٍ (كما يقول حسن موسى): نعم.

(2)

أُصرُّ وألِحُّ على ارتداء حذاءٍ واحدٍ، لفتراتٍ طويلة، وفي كل المناسبات. لم يكن الدافع تقشفيَّاً، بالطبع، ولكن اجتمعت عدة عوامل، بصورةٍ مريبة، لتخلق هذه العادة في جسدي، أولها الطبيعة غير البشرية لأقدامي، إذ لا ينجو حذاءٌ _ما عدا واحد_ من انتهاك الإصبع الأكبر، أو ربما كانت هنالك حشرةٌ سريَّةٌ في القدم، تظلّ تنهش في جلد الحذاء حتى ينفتح بصورةٍ مضحكة، وغالباً ما يكون هذا الانفتاح في مكانٍ مُحرجٍ، وفي مناسباتٍ محرجة. العامل الثاني هو الفقر الذي يميّز أغلب أهل هذه البلاد الكبيرة، حتَّى غدا الفقر أمراً طبيعيَّاً لا يُُشِيرُ إليه أحدٌ إلا في حالةٍ كهذه التي أبرِّرُ بها فِعلَتي العجيبة. منظر الحذاء الواحد، غالباً، ما يكون حزيناً جداً، إذ تظهر على الحذاء الوحيد الصَّامد _لأسبابٍ مجهولة_ تجاعيدٌ سوداء (حتى ولو كان الحذاء أسوَد)، وتتغيَّر ألوانه فتتدرَّجُ لتظهر كبقعٍ زيتيَّةٍ، أو مرضٍ جلديٍّ أَصَاب الحذاء.

انخرطنا في علاقةٍ ودّيةٍ، إبَّان عصرِ الجنونِ الشبابيّ العظيم في الجامعة، مع أطفالٍ يعملون على (ورنشة) الأحذية للطلاب، والعشاق منهم تحديداً، فكان أكثر ما يثير انزعاج نظراتهم الصغيرة، والتي تتوجَّه مباشرةً إلى الأقدام كمحطَّةٍ أولى، أن يلمحوني مُقبِلاً من بعيد، اتنطَّع بقبح حذائي، (وكمان مع خَلْفَة رِجِل). كان سؤالهم يتكرر (أَدِّينا نَوَرْنِش لِيْك جَزْمَتَك)، غالباً ما يكون المطالِبون حزمةً من الأطفال!. كان تجمعهم أمامي يصيبني بإحساسٍ غريب، تجمعٌّ يدفعني للظنِّ بأنني ألبس جيشاً من القبح وليس مجرَّد حذاء قديم، وكان سؤالهم الجَّماعيّ يؤكد هذا الإحساس، ربما كان السؤال اليومي هو سبب هذه العلاقة المتينة. تجرَّأ أحدهم في يومٍ وقال: (ما حَنْشِيل مِنَّك قُرُوش)، ظنَّاً منه أن المال هو المانع، ضحكت وشكرته على إحساسه الجميل والمناصر لنظافة البيئة. وفي يومٍ، أغارت عليَّ مجموعة منهم، بينما كنت ممدَّاً على الأرض، واقتلعت الحذاء بالقوَّة، ركضوا، اختبأوا خلف المباني، مزَّقوا الطبقات القبيحة المتراكمة على وجه حذائي، أوسعوا بقاياه تلميعاً، وعادوا باسمين.

هذا الفعل، والذي تضمن "عنفاً" طيب النيَّة، تذكرته بينما كنت أقلّب في ذهني فكرة (الهوية العملية) هذه، فالعين تعمل حسب العمل، تنفعل الحواسّ بالطريقة السرية التي تُدار بها الأعمال، التعامل مع كل كائنٍ وشيءٍ يتمّ وفق إشارات (العَمَل)، حتى العنف، يستجيب للانفجار إن أشارت له العملية اليومية التي يمارسها البشريّ بأن: انطلق. المهم في هذه القصة هي (رؤية الجمال) بالنسبة للعامل في كل حقل. كنت أفكّر أن من سيعمل في حقل (الوَرنَشةِ) سينجذب لامرأةِ حياته عن طريق الحذاء، ربما!.

(3)

واللغة؟!.

ذهبت في رحلةِ عملٍ إلى مدينة نيالا، رفقة بعض التشكيليين البريطانيين ومصوِّر فوتوغرافي يدرِّس التصوير بجامعة غلامورغن بويلز، البروفيسور غلين مورغان، كنا نتحدث كثيراً باللغة الإنجيليزية، سألني: (ولكن.. أين تعلمت الحديث باللغة ا

أضف تعليقك المزيد...

عن المدونة

عن المدونة

أضف تعليقك المزيد...

هذه المدونة ضمن مشروع مدونات كاتب التابع للشبكة العربية